نبذة عن الكتاب
إذا كان مشروع أحمد عبد اللطيف الروائي انطلق من خلق عوالم موازية لواقع مأزوم، كما في «كتاب النحات» و «عصور دانيال في مدينة الخيوط»، ففي روايته الجديدة «أصل الأنواع» يغير هذه القبلة، يمد خيط الواقع على استقامته، ويستلهم نظرية التطور لـ تشارلس داروين ليعيد تركيب الواقع المعاصر وقاهرة الألفية الجديدة ومستقبلها. بذلك، يشيِّد الروائي المصري جسرًا بين العلم والأدب، بين الستينيات واللحظة الراهنة والمستقبل، وبين الفرد وتحولاته والمدينة بتطويرها الزائف.
في فضاء سردي بين حي المنيل ومدينة الموتى، وبين مهندس مدني ولاعب كرة قدم وبائع فاكهة مخبر، تطرح «أصل الأنواع» سؤال الحب والسلطة والفقد، وبين أفراد بأصابع مبتورة وآخرين بأصابع ضخمة وموتى تهدمت عليهم مقابرهم، يتجسد شكل المدينة الجديدة وساكنيها في صورة سوريالية تتراوح بين السخرية السوداء والملهاة.
تستند رواية "أصل الأنواع"، للروائي والمترجم المصري أحمد عبد اللطيف، والصادرة حديثا، إلى تحول جسدي يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه سرعان ما يتشعب سرديا وفلسفيا، فاتحا آفاقا للتأمل في المدينة، واللغة، والغرابة، وعلاقة الفرد بعالم يتهاوى من داخله.
في هذا الحوار، نسلط الضوء على هذا العمل، الذي ينافس على الجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها الحالية، للتعرف على خلفية كتابته، وخيارات كاتبه الجمالية، وما يهدف إلى إثارته لدى قارئها.
تستند الرواية إلى نظرية علمية معروفة ومؤسسة، هي نظرية التطور أو الانتقاء الطبيعي. ولهذا الاستناد منحى جمالي وفني، فالنظرية نفسها تبدو في عمقها نظرية أدبية تخص الإنسان وأسئلته منذ نشأة الكون.
دعني أُفصح لك أن ثمة كتابة تنبع من الخوف، وأن ثمة نصوصا يحركها الهلع. "أصل الأنواع" تنتمي إلى هذا النوع، فما يفعله الإنسان المعاصر في حياته، وكيف يعمد إلى خراب العالم، يمكن أن يكون ملخصا مخلا لشعوري أثناء الكتابة.
ستند الرواية إلى تحول جسدي يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه سرعان ما يتسع ليشمل العالم الروائي برمته. هل كان الجسد نقطة البداية في الكتابة، أم أنه جاء لاحقا كأداة سردية لتمرير أسئلة أوسع؟
أعتقد أن أسئلتنا الكبرى كافة تنبع من التفاصيل الصغيرة التي نعيشها يوميا، مثل الشعور بألم في الرقبة يكون مصدره العمود الفقري، أو الصداع الذي ينبع من المعدة.
ما سعيت إليه، أو ما كنت مدفوعا إليه حقيقة، هو بناء جسر بين الألم الظاهر ومصدره. لكنني في النهاية لم أدرِ هل تشوه المدينة هو سبب تشوه سكانها، أم أن تشوه السكان أدى إلى تشوه المدينة. ولم أدرِ حقيقة هل السلطة هي التي تخلق شعبها، أم أن الشعب هو الذي يخلق سلطة تشبهه.
ولو اقتربنا من منحى إنساني وفردي أكثر، ففي هذه اللحظة لا أدرِ إن كان الإنسان يخلق سعادته أو تعاسته، أم أن الحياة كفيلة بهذه المهمة. وهل الحب هو هذا المعنى السامي الذي يولد سعادة المحبين، أم أنه اللعنة التي تصيب البشر فتحولهم إلى تعساء؟ كل هذه الأسئلة والعناصر جاءت بالتوازي، كدائرة تكتمل من زوايا مختلفة.
يُلاحظ القارئ أن الرواية لا تشرح غرائبيتها ولا تسعى إلى تبريرها. إلى أي مدى كان هذا خيارا واعيا من جانبك، وهل ترى أن الغموض يشكل جزءا أساسيا من صنعة السرد في هذا العمل؟
لو تأملنا الواقع، لوجدناه أكثر غرابة من الغرابة ذاتها، بل أذهب إلى أن الغرابة هي البنية الأساسية للواقع، ليس فقط في التجربة الجمعية للإنسان، بل حتى في التجربة الفردية. كم مرة نجونا من الموت بمعجزة لا تصدق؟ كم مرة شعرنا بفراغ في المعدة دون سبب؟ كم مرة اندهشنا وصعقنا لموت حبيب بلا سبب واضح؟ كم مرة فكرنا في القضاء والقدر والصدفة؟ كم مرة صدقنا في الأشباح دون أن نراها ورأينا مكانها أشباحا بشرية؟
ثمة واقع عظيم يكمن وراء الواقع الأولي والسطحي، واقع شديد الغرابة والغموض. هذا الواقع الآخر هو ما يعنيني، وما يخيفني ويجذبني. وإن كان ثمة شيء يدفعني للكتابة، فهو أنني عبرها أدخل هذا العالم السري لاكتشافه. الغموض، إذن، ليس هدفا في ذاته، بل هو تجسيد لواقع غامض يتعين عليك فك شفرته المعقدة.
.
يمهّد هذا الاتصال الوشيج بين الجسد والمدينة في الحياة إلى امتداد موازٍ مع الموت، فتصير المقابر «مدينة الموتى» متصلة بالمدينة الحيّة عبر توظيف سوريالي تصنعه الرواية، ويتحوّل التطوّر الجديد للمدينة، من هدم ونبش للمقابر القديمة، إلى مشهد يتعايش فيه الناس في المقاهي والطرقات مع موتى بأكفان بيضاء متربة يسيرون بظهورهم بين المارة، كأن المدينة كلها صارت تعيش على الحافة بين عالمين.
هذه الغرائبية جعل الكاتب مدخلها هو العالم النفسي لبطله «رام»، حيث لا يمكن فصل ملامحه النفسية عن جغرافيا المدينة التي يسكنها وتسكنه؛ فخوفه المتأصل منذ الطفولة، الممتد من ظلمة الغرف إلى الخوف من الأشباح في البيت، يجد في القاهرة مسرحه الأوسع، وحين تموت زوجته وحب حياته «نيفين» لا ينتهي حضورها في قبر، بل تتحوّل إلى شبح يلازمه، يتسلل إلى ذاكرته وهواجسه، وحتى علاقاته العاطفية الجديدة.
هكذا تفتح الرواية مساراً تأملياً وفنياً حول تطوّر الحب باعتباره «أصلاً» له نسخ وأشباح، فيصبح الحب الجديد إعادة عبور إلى «مدينة نيفين» بطريقة أو بأخرى، وكأن العاطفة ذاتها تخضع لمسار تطوّر خاص بها.
هذا التشابك بين الجسد والمكان يتعزز عبر لعبة السرد التي تمزج الواقع بالمُتخيّل، وتشتق من سؤال السعادة سؤالاً وجودياً لا يخلو من عدمية: «حياتنا مادة سائلة تصب في قالب صلب وثابت لم نختره بمحض إرادتنا هو الوجود»، فالبنية السردية السيّالة، الخالية من الحواجز الصارمة بين الواقع والحلم، والحياة والموت، تجعل القارئ على الحافة بين ما يراه «رام» وما يتخيله، أو يتمناه ويخشاه. ويتجه السرد إلى استبصار ما قد يؤول إليه إنسان مدينة يُهدم قلبها، بتاريخها وتراثها ومقابرها القديمة، وما قد يقوده فقْد العاطفة والغريزة البشرية تباعاً، فلا يتغيّر شكل الجسد وحده، بل يُعاد تعريف الحب والسعادة نفسها، فيتخذ التطوّر العكسي بُعداً جسدياً ووجودياً في آن واحد.
لا ينفصل انشغال الرواية بفكرة ما بعد الإنسان عن فلسفتها الجمالية، إذ تشتغل على إعادة صياغة العلاقة بين الأصل والبديل، وبين الفقد والتحوّل، لتطرح أسئلة جوهرية حول موقع «الإنسان الجديد» في مسار تطوّر قد لا ينتهي بالارتقاء، بل ربما بالارتداد، وحول المدن التي تبني أجسادنا وهُويتنا بقدر ما نبنيها نحن «المدينة لم تعد مدينة طفولته وشبابه، بل صارت أخرى غريبة، وهو نفسه من يساعد في غرابتها، وفي إخفاء معالمها هو نفسه يد تمحو ذكرياته، وهو نفسه قدم تطأ وجهها بما تحمله من براءة وتيه».
وتعزز البنية الفنية للعمل كذلك من اشتباك الرواية مع سؤال التطوّر، بداية من اختفاء علامات الترقيم على امتداد العمل بما تطرحه من سؤال حول تحرير النص، وإعادته إلى بدائية السرد وسيولته، وصولاً إلى تقسيم الأحداث على مدار أسبوع واحد، مُستعار من القاموس المسيحي لأسبوع الآلام، فيستدعي فكرة تطوّر الألم ذاته، من لحظة «أحد الزعف» إلى بلوغه ذروة الفقد في «سبت النور»، ثم تفتيت هذه الأيام إلى فصول قصيرة تحمل الحروف جذور الأبجدية الأولى «أبجد هوز» وتُحيل إليها، كأن الرواية تستعيد مسار تطوّر اللغة من بداياتها ليغدو البناء الفني نفسه مرآة لمسار مزدوج؛ من تطوّر اللغة وتحوّلات الألم.
تتّسع الرواية لتحتضن أبطالها في حيّ واحد، بداية من «رام» المهندس المدني، مروراً بسيد «بتشان» بائع الفاكهة، ولاعب كرة القدم «يحيى الحافي»، ليجمعهم السرد في مرمى تطوّر المدينة الذي يضعهم في مفارقات لا تخلو من فانتازيا وسخرية سوداء، بينما تكشف لغة الرواية، رغم خضوعها لسلطة راوٍ عليم واحد، عن حساسية خاصة تجاه العوالم المتباينة لشخصياتها، وعن قدرتها على التقاط لحظات التبدّل التي تفرضها خسارة الأطراف، أو تبدّل ملامح الحب والقدر.
في هذا العالم، تصبح الأطراف الناقصة جزءاً من معمار السرد، لا باعتبارها علامة على النقص فقط، بل باعتبار أنها شرط جديد للتكيّف مع العالم الجديد، وبينما يتعامل الأحياء مع هذا النقصان على أنه واقع لا مهرب منه، يُطلّ الموتى في المشهد العام بوصفهم مرآة مقلوبة، لنصبح أمام أحياء يتقدّمون في الحياة ناقصين، وأموات يسيرون للخلف، في تداخل مربك يجعل الحدود بين الحياة والموت مجرّد خط وهمي قابل للعبور في أي لحظة: «ستكون القرافة رحماً كذلك، لكنه رحم مختلف يلِد الموتى من جديد، لكن ليس في العالم الآخر، بل في عالمنا نفسه.
معلومات عن الكاتب
أحمد عبد اللطيف
أحمد عبد اللطيف (القاهرة، 6 أبريل 1978)، كاتب ومترجم وروائي مصري. صدر له عدد من الروايات منها روايته الأولى «صانع المفاتيح» الحاصلة على جائزة الدولة التشجيعية عام 2011. كما ترجم العديد من الروايات وقصص من الأدب الإسباني وأمريكا اللاتينية. وفي عام 2018، ترشحت روايته «حصن التراب: حكاية عائلة موريسكية» ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية.
ولد أحمد عبد اللطيف في محافظة القاهرة في مصر عام 1978، حيث تخرج في جامعة الأزهر وحصل على شهادة البكالوريوس في اللغة الإسبانية وآدابها من كلية اللغات والترجمة، ثم على الماجستير في الأدب المقارن من جامعة اوتونوما دي مدريد في إسبانيا. ويكمل دراسته في جامعة غرناطة لنيل درجة الدكتوراه في الأدب العربي. ويعمل في جريدة أخبار الأدب منذ عام 2008، وقد نشر روايته الأولى في عام 2010 بعنوان «صانع المفاتيح» والتي صدرت عن دار العين. وحصلت هذه الرواية على جائزة الدولة التشجيعية في عام 2011. وبعدها بعامين، نشر روايته الثانية «عالم المندل»، ثم في عام 2013 أصدر روايته الثالثة «كتاب النحات» عن دار الآفاق للنشر.
وبالإضافة إلى هذا، ترجم عبد اللطيف إلى اللغة العربية العديد من الروايات والقصص من أميريكيا اللاتينية وإسبانيا ما يزيد عن ثلاثين كتابًا منها رواية «من الظل» للكاتب الإسباني خوان خوسيه ميّاس، وكتاب «الأشياء التي نفعلها». تُرشحت روايته «حصن التراب: حكاية عائلة موريسكية» ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية. وتدور أحداث الرواية في الأندلس وتحديدًا في فترة سقوط الحضارة الإسلامية وأبطال الرواية هم عائلة محمد دي مولينا الذين طردوا من إسبانيا ورحلوا إلى تطوان لأنهم مسلمون عرب ويتم اتهاظهم هناك. واشتهرت أعمال عبد اللطيف بالمزج بين الواقع والخيال والحلم، وتنزع كتاباته إلى التجريبية كما في رواية «إلياس» و«حصن التراب». وقد اُجريت عدت دراسات أدبية ونقدية عن أعمال أحمد عبد اللطيف، منها كتاب «الرواية وتحرير المجتمع» للدكتورة أماني فؤاد. كما أن الكاتب والناقد المغربي محمد مشبال قدم دراسة أدبية كبيرة عن الاستراتيجيات الخطابية السردية في كتابه «الرواية المضادة» في رواية إلياس لأحمد عبد اللطيف.
بعض من مؤلفاته يشمل الآتي:
- صانع المفاتيح، دار العين للنشر، 2010.
- عالم المندل، 2012.
- كتاب النحات، دار الآفاق للنشر، 2013.
- إلياس، دار العين للنشر، 2014.
- حصن التراب: حكاية عائلة موريسكية، دار العين للنشر، 2017.
- سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج، دار العين للنشر، 2019.
- عصور دانيال في مدينة الخيوط، دار العين، 2022.
- أصل الأنواع، منشورات حياة، 2025
- ساقي اليمنى وقصص أخرى من إسبانيا وأمريكا اللاتينية والبرتغال، دار وراقون، 2014
- من الظل، منشورات المتوسط، 2018
- الأشياء التي نفعلها، دار شهريار، 2018
- الذكريات الصغيرة، جوزيه ساراماجو، هيئة الكتاب ودار الجمل
- البصيرة، جوزيه ساراماجو، هيئة الكتاب ودار الجمل
- ثورة الأرض، جوزيه ساراماجو، هيئة الكتاب ودار الجمل
- مسيرة الفيل، جوزيه ساراماجون هيئة الكتاب ودار الجمل
- لاورا وخوليو، خوان مياس، هيئة الكتاب وذات السلاسل الكويتية
- المرأة المهووسة، هيئة الكتاب وذات السلاسل الكويتية
- أحمق وميت وابن حرام وغير مرئي، خوان مياس، دار المتوسط
- قصتي الحقيقية، خوان مياس، دار المتوسط
- فلا أحد ينام، خوان مياس، ذات السلاسل
- امرأتان في براغ، خوان مياس، منشورات حياة.
- فازت روايته الأولى «صانع المفاتيح» بجائزة الدولة التشجيعية، 2011
- فاز بجائزة المركز القومي للترجمة في عام 2013 عن ترجمته لرواية «الكون في راحة اليد» للكاتبة النيكاراجوية جيوكوندا بيلي.
- فازت روايته الثالثة «كتاب النحات» بالمركز الأول في جائزة ساويرس الثقافية دورة 2015.
- فازت مجموعة "مملكة مارك زوكربيرج وطيوره الخرافية" بجائزة ساويرس للثقافة فرع كبار الأدباء، 2022
- تُرشحت روايته «حصن التراب: حكاية عائلة موريسكية» ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية، 2018.
- ترشحت روايته "عصور دانيال في مدينة الخيوط" ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية، 2023.
الكتب الأخرى للكاتب
0 مراجعة